قرغيزستان ..عواصف الحاضر وهواجس المستقبل

2539 عدد المشاهدات التحليل 0

ببعيد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في 1991 احتفلت قرغيزستان بمرور ألف عام على كتابة الملحمة الشعرية "ماناس" والتي يصنفها بعض المؤرخين كأطول ملحمة في التاريخ، وتضم تلك الملحمة بطولات ومفاخر البطل القرغيزي "ماناس" الذي قاد شعبه في حروب الدفاع عن الوطن ضد الغزاة والمحتلين.

قليلون تابعوا أهمية ماناس الشعرية في تمجيد الفخر القومي القرغيزي، لكن كثيرين يعرفون أن ماناس هو الاسم الذي تحمله اليوم أهم قاعدة عسكرية أمريكية في وسط آسيا، تقدم الوقود والمدد لإتمام الحملة الأمريكية على أفغانستان.
اختلاف دلالة الأسماء لا يتكرر وحده في قرغيزستان، بل أحداث التاريخ الجسام أيضا. ففي يونيو 2010 اندلعت أحداث دموية في الأجزاء الجنوبية من البلاد راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى، وفر بسببها مئات الآلاف من اللاجئين.
هذه المجازر هي نسخة مما اندلع في نفس المكان قبل عشرين سنة بالتمام (يونيو 1990) وسقط بسببها مئات القتلى والجرحى أيضا. الفرق الأساس بين المأساتين أن الأولى اندلعت وقرغيزستان جزء من الاتحاد السوفيتي، أما الثانية فنشبت في قرغيزستان المستقلة التي تكافح لبلورة معالمها كدولة تسعى إلى الديمقراطية ولو بسلسلة من الانقلابات وعبر مخاض الفوضى وغياب النظام.
حين اندلعت مجازر عام 1990 كان هناك جيش سوفيتي سرعان ما تدخل لوقف حمام الدم، لكن في فاجعة 2010 ناشد الشعب القرغيزي العالم بأسره، وموسكو في المقام الأول، كي يتدخل ويوقف نزيف الدماء، لكن قرغيزستان الفقيرة المحرومة من أي نفط أو ثروات طبيعية لم تجد من يستجيب.
ما تزال وقائع التاريخ وشخصياته تتكرر في قرغيزستان، ففي مارس 2005 أطاح الثوار بالرئيس عسكر أكاييف متهمين إياه بالفساد واستغلال النفوذ، ونصبت المعارضة في النهاية كرمان بك باكاييف رئيسا للبلاد، وحمل معه الأمل بمستقبل واعد للبلاد. بعد خمس سنوات، وفي مايو 2010 يتكرر المشهد فيطيح الثوار بالرئيس كرمان بك باكاييف و"الفاسدين" من إخوته وأبنائه، وتغرق البلاد في فوضى هدامة.
هل ما تعيشه قرغيزستان اليوم حلقة في مسلسل تكرار الأحداث والشخصيات لا يتعلم منها القرغيزيون درسا؟ أم أن المستقبل يحمل في جعبته ما يميزه حقا عن التاريخ؟
الدراسة التي بين أيدينا تتخذ من الإعصار السياسي الذي أطاح بأمن واستقرار البلاد مناسبة لطرح تقييم جيوسياسي للمكون العرقي والديني، فضلا عن استكشاف العلاقة بين الدولة وبنائها القبلي، ومكانة قرغيزستان في مطامح القوى الدولية والإقليمية، والصعوبات التي تقف في طريق بناء مستقبلها.
الاستبداد الجغرافي
المركب الديني والعرقي
الدولة والقبيلة
الرقص مع الشيطان
هموم المستقبل
الاستبداد الجغرافي
صحيح أن مساحة قرغيزستان (200 ألف كم2) تعادل مساحة سوريا ولبنان معا، إلا أن هذه الدولة تعاني من موقع جغرافي بالغ السوء، وتستبد بها الجغرافيا في كثير من الجهات.
ففي مكان قاري حبيس لا يطل على أي بحر أو شبه بحر، وفي إقليم جبلي متكدس بالوحدات السياسية من دول وجمهوريات، وخطوط أنهار وبحيرات، وتعرجات حدود سياسية متشابكة، تختبئ هذه الدولة في قلب آسيا الوسطى بعدد سكاني لا يزيد عن خمسة ملايين نسمة.
ورغم جسارة التضاريس التي تجمع بين صحراء قاحلة ووديان عامرة بالحقول الزراعية، وجبال تزيد بعض قممها الثلجية عن 7000 متر، إلا أن هذا الموقع الحبيس حرم قرغيزستان من الكثير، وجعلها رهينة لأطماع وطموحات العمالقة من الجيران ( روسيا والصين) والأقوياء من دول الجوار ( إيران وأوزبكستان وكازاخستان) والمستعمرين القدامى (بريطانيا) والغزاة الجدد (الولايات المتحدة والناتو).
لم تترك التضاريس قرغيزستان دون أن تحكم على مستقبلها العمراني والسكاني والسياسي. فالجبال الوعرة الشاهقة تمتد في محور شرقي غربي، شاطرة البلاد إلى نصفين شمالي وجنوبي يصعب الاتصال بينهما إلا عبر النقل الجوي، أو باستخدام طرق برية بالغة التعرج والخطورة.
هذا الفصل التضاريسي يجعل العاصمة بشكيك معلقة في الشمال على الحدود مع كازاخستان، بعيدة بنحو 300 كم عن مدن الاضطراب والتوتر في أوش وجلال أباد، لكنها بعيدة بأضعاف تلك المسافة بسبب عوائق وعقبات التضاريس.
هذا الفصل التضاريسي هو الذي يكرس بدوره تبلور الهوية الأوزبكية في الجنوب عن الهوية القرغيزية في الشمال ويمهد لأن يطل شبح التقسيم والانفصال برأسه على مستقبل قرغيزستان السياسي.
فمراكز الاستقرار والنشاط الاقتصادي والسكني في البلاد تنقسم إلى مجموعتين، مدن وبلدات الشمال التي تضم كاربلاتا، بشكيك، كانت، توكموك، ويورفكا، وبالكيتشي، ومدن وبلدات الجنوب وتضم نارين، ديمتريفكا، أوزغين، كارا سو، وجلال أباد، وأوش.
ويحسن بنا منذ البداية أن نعترف أن قرغيزستان بقيت منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 دون أهمية تذكر في الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، قبل أن تبدأ الحملة على ما يسمى"الإرهاب الدولي" بغزو واحتلال أفغانستان في نهاية 2001، حينها فقط بدأت أهمية قيرغزستان في الصعود، ووصلت إلى ذروتها باستئجار واشنطن قاعدة عسكرية في مطار "ماناس" بالعاصمة بشكيك.
وسرعان ما جاء رد فعل روسيا بإقامة قاعدة جوية مماثلة في عام 2002 في بلدة "كانت" التي لا تبعد عن شرق العاصمة بشكيك بأكثر من 20 كم.
ورغم تعمير قيرغيزستان منذ قرون ما قبل الميلاد، لم تحصل هذه المنطقة على شهرتها في الكتابات التاريخية سوى مع الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي، فأرض القرغيز كانت جزءا من بلاد ما وراء النهر، ومن قرغيزستان على وجه التحديد تتدفق منابع نهر سيحون الشهير ( المعروف بنهر سرداريا).
غير بعيد عن منابع نهر سيحون تضم قرغيزستان بحيرة "إسيك كول"، ثاني أكبر بحيرة جبلية في العالم، وتشير الدلائل الأركيولوجية، التي اكتشفت في قاع البحيرة في عام 2007، إلى أن حضارة مدنية راقية قامت في تلك المنطقة قبل 2500 سنة.
على مدار تاريخها الوسيط والحديث، ورثت قرغيزستان شكلا نموذجيا للنظام القبلي والعشائري القائم على الزراعة والرعي، واستمدت قرغيزستان وأجزاء من وسط آسيا شهرتها من وادي فرغانة المتميز اقتصاديا وحضاريا وصاحب التاريخ الطويل في تقديم عدد من العلماء للعالم الإسلامي.
يحتفظ التاريخ بصفحات متكررة لوقوع هذا النظام القبلي في الخطأ القاتل بالتناحر والخلاف والاقتتال البيني، الأمر الذي مهد الطريق أمام قوة روسيا الصاعدة في الشمال للانقضاض على هذه المنطقة وإحكام السيطرة عليها من نهاية القرن الثامن عشر ( روسيا القيصرية) وحتى العقد الأخير من القرن العشرين (روسياالسوفيتية).
وعبر مسارها التاريخي تنتمي قرغيزستان إلى تلك الفئة من الدول المسماة "الدول العازلة" أو دول "تكسر القوى" حيث تؤدي وظيفة النطاق الفاصل بين القوى الكبرى المتنازعة. هكذا كانت قرغيزستان خلال العصور الوسطى تعزل بين الخلافة الإسلامية والمغول والتتار والقبائل الروسية، وهكذا كانت في العصر الحديث منطقة عازلة بين روسيا في الشمال وبريطانيا في الهند من الجنوب، وهكذا تؤدي قرغيزستان دورها اليوم بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية.
المركب الديني والعرقي
يدين 80 % من الملايين الخمسة التي تسكن قرغيزستان بالإسلام على المذهب السني، ونحو 18 % مسيحيون على المذهب الأرثوذكي، ونحو2 % منهم يعتنقون ديانات وثنية محلية مثل الشامانية.
ويشكل التوزيع العرقي لقرغيزستان صورة تقليدية لقومية غالبة تحمل الدولة اسمها (القرغيز) وعدة مجموعات من الأقليات، الأوزبك الذين يمثلون أكبر أقلية في البلاد (من 14 إلى 16 %) والروس (13 %)، فضلا عن خليط من أعراق أخرى تضم الأويغور والطاجيك، ونسب محدودة ممن تم تهجيرهم إلى قرغيزستان قسرا خلال العهد الشيوعي من الأوكرانيين والألمان وغيرهم.
وتعد الأقلية الأويغورية من سكان إقليم التركستان الشرقية (شينغيانغ) على درجة كبيرة من الأهمية للصين التي تعقد اتفاقات مع قرغيزستان بشأن الأمن الجماعي في المنطقة، وتنسيق مكافحة الحركات الانفصالية.
حظي الروس في قرغيزستان بميزة كبرى باعتبارهم أبناء "الأخ الأكبر"، فضلا عن تأثيرهم الثقافي الكبير من خلال عميلة الترويس ( صبغة الثقافة القرغيزية بالهوية الثقافية الروسية) وامتلاك الوظائف المهمة في البلاد خاصة مع احتكارهم لجزء كبير من قطاع المهن الطبية والفنية والأكاديمية، وكان الاستغناء عنهم بعيد الاستقلال يعني إيقاع البلاد في أزمة حقيقية.
في المقابل كان للأوزبك أفضل المواقع في القطاع التجاري، وعرف عنهم ارتفاع مستوى معيشتهم مقارنة بنظرائهم القرغيز. وبينما يعيش أغلب القرغيز في الريف يتركز الأوزبك في المدن. ويشكلون أهم مجموعة سكانية في مدينتي أوش ( حيث يشكلون 25 % من إجمالي السكان) وجلال أباد (40 %).
ولابد أن نتذكر هنا أن الأوزبك في قرغيزستان ليسوا أقلية وافدة أو قومية من قوميات الشتات، بل هم سكان أصليون، ولم يتحولوا إلى أقلية وسط القرغيز إلا بسبب سياسات ترسيم حدود الجمهوريات في العهد الستاليني التي اعتمدت منهج "المصير المشترك للجمهوريات السوفيتية"، رغبة في عرقلة أية طموحات للانفصال. فالجيوب العرقية التي دسها ستالين في خريطة الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز كانت تعني تداعيات كارثية إذا ما رغبت هذه القوميات في الانضمام للوطن المجاور، وهو ما حدث بعيد الاستقلال فعليا وتحولت هذه الجيوب العرقية إلى قنابل موقوتة في كل من قرغيزستان وأوزبكستان وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا وملدوفا.
وحين اندلعت النزاعات العرقية بين الأوزبك والقرغيز في يونيو 1990 كان السبب الأساسي تقليدي وشائع في مناطق الأقليات. فالأوزبك الأكثر ثراء، والأكثر تمسكا بالهوية القومية، وأصحاب الظهير السكاني القوي الذي تمثله جمهورية أوزبكستان (28 مليون نسمة) كانوا بالتالي مصدر إثارة لحسد وغيرة أغلبية القرغيز الفقراء، وتعرضوا بالتالي لحوادث القتل الجماعي وتدمير المنشئات التجارية وحرق المنازل والممتلكات. وقد تكرر ذلك بصورة أكثر دموية في أحداث العنف التي جرت في يونيو 2010.
حين استقلت قرغيزستان في 1991 عمدت الحكومات المتتالية إلى استمالة الأغلبية القرغيزية بالحد من امتيازات الأقلية الأوزبكية، خاصة في الوظائف الحكومية، ومن ثم تعالت شكاوى الأوزبك خلال العقد الأول من الاستقلال من أن الحكومة قلصت مكانتهم الوظيفية والإدارية حتى في المناطق التي يشكلون فيها الأغلبية فيإقليمي أوش وجلال أباد الواقعين على الحدود من أوزبكستان.
وفي ذات الوقت تصاعدت شكوى الأوزبك من تجاهل مطالبهم الثقافية مقارنة بمحاباة الروس. ولعل في إهمال اللغة الأوزبكية مقابل انتشار اللغة الروسية واعتمادها لغة رسمية في المحافل السياسية والعلاقات الدولية ما أجج من شعور الأوزبك في قرغيزستان بالتهميش الثقافي.
وخلال العقدين الماضيين تدفق عدد كبير من الشباب القرغيزي الباحث عن فرص عمل من الريف إلى المدن وكانت أوش وجلال أباد محطتين مهمتين. وفي ظل سيطرة الأوزبك على قطاعات تجارة التجزئة والتسويق والأعمال اليدوية والصناعات الصغيرة كانت الظروف مهيأة لمن يعانون الفقر والبطالة للانسياق بسهولة وراء حملات الكراهية والتشاحن العرقي.
من جانبهم يرى الأوزبك أن الحل يكمن في الحصول على صلاحيات بحكم ذاتي في الأقاليم التي يشكلون فيها نسبة كبيرة، بينما يرى المغالون منهم الحل في تشكيل كيان سياسي مستقل أو الانضمام إلى أوزبكستان.
وحين حصلت قرغيزستان وبقية جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية على استقلالها عام 1991 راهن القوميون الروس على أن هذه الدول ستسقط سريعا في مسلسل من الفوضى ولن تجد لنفسها مكانا بين دول العالم.
الأعراض التي تعانيها قرغيزستان ودول آسيا الوسطى اليوم قد تقدم دليلا على صدق الأطروحة القومية الروسية، لكن العوامل والتداعيات التي ساهمت في اندلاع المذابح في جنوب قرغيزستان في شهر يونيو 2010 بالغة التشابك والتداخل وتلعب فيها أطراف مختلفة أدوارا متباينة.
الدولة والقبيلة
على نحو ما نادى الإسلام بأنه دين فوق الأجناس والأعراق، زعمت الشيوعية بأن الدولة تتجاوز الأعراق والقوميات، بل إن القوميين في نظر الشيوعية عملاء مخربون يجب القضاء عليهم لأنهم يروجون لأوهام عرقية تعد من مخلفات التاريخ، ومن ثم فإن العالم الاشتراكي الأممي عالم تخفت فيه أصوات النعرات العرقية والقبلية ويعلو فيه صوت الأمة والشعب.
على هذا النحو يفتخر المنظرون الشيوعيون بأنهم قدموا لدول آسيا الوسطى أفضالا كثيرة حين قامت السلطة السوفيتية بدور القابلة التي استلمت المولود القرغيزي ( ونظيره التركماني والكازاخي والطاجيكي والأوزبكي) من حالة شبه قبلية ونصف بدوية تقوم على الرعي وزراعة الواحات قبل الثورة الشيوعية وحولته إلى شعب صاحب دولة حديثة تعتمد الزراعة والصناعة، وتستخرج الخامات المعدنية، وأنها طورت نظامه التعليمي ومنحته لغة (روسية) مشتركة بدلا من تعدد وتنافس ألسنته.
في العقد الأول من استقلال قرغيزستان عن الاتحاد السوفيتي (1991-2000) صنفت بعض الدراسات الغربية هذه الدولة بأنها "واحة الديمقراطية في آسيا الوسطى". في ذلك العقد طور الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف مفهوما جديدا للديمقراطية أطلق عليه "ديمقراطية البداوة" مشيرا إلى أنها دولة تتألف في الأساس من روابط اجتماعية تعلي من شأن رابطة الدم والعشيرة فوق رابطة الجماعة ومصلحة الدولة يصعب عليها تمثل القيم الديمقراطية الغربية دون تعديل.
تقوم فكرة ديمقراطية البداوة على ضرورة أخذ التركيب القبلي لقرغيزستان بعين الاعتبار، فالدولة مقسمة إلى تحالفات بين أبناء القبائل والعشائر والعائلات في الشمال ونظرائهم في الجنوب، ولا يمكن بناء أي تحالف حزبي أو تنظيم سياسي على أسس أيديولوجية أو قيم مشتركة دون حساب رابطة الدم والانتماء القبلي.
وقد لعبت رابطة العشيرة والقبلية دورا سلبيا وأصابت النظام السياسي القرغيزي بكثير من الفساد والعطب. فمنذ استقلالها عام 1991 وحتى عام 2005 وقعت البلاد تحت حكم أسرة عسكر أكاييف وعشيرته، ثم من 2005 و حتى 2010 خضعت لفساد ومحسوبية أسرة كرمان بك باكاييف. وعلى المستوى الإقليمي والمحلي لم تنج الدولة من تأثير روابط الدم على توزيع المخصصات المالية ومقاعد النفوذ والتحزب.
وحتى عندما أقرت عمليات التصويت والانتخابات وتشكيل الأحزاب، تدخل العامل القبلي في توزيع الأصوات وتجميعها على أسس من رابطة الدم في المقام الأول. وتزداد هذه المشكلة عمقا على مستوى الريف والقرية ومناصب الحكم المحلي، كما يزداد هذا النظام تعقيدا بإدخال عامل الرشوة الذي تتضاعف نسبة تفشيه في القطاع الحكومي القرغيزي عاما بعد عام.
وبنظرة تحليلية يمكننا التقرير بأن قرغيزستان عانت من تشتت الانتماء السياسي بين شمال البلاد وجنوبها عند ثلاثة محاور:
• الانقسام الثقافي بين شمال أكثر "روَّسنة" حيث تسود الثقافة واللغة الروسية وتنتشر قيم ومبادئ عصرية وحداثية وتتراجع أهمية الإسلام كقوة أيديولوجية،وجنوب أكثر ارتباطا بالحياة التقليدية وتمسكا بالإسلام كمكون أيديولوجي.
وقد يتحول هذا المكون في بعض الأحيان إلى قوة حركية وتنظيمية تدفع قطاعات من الشباب إلى الانخراط في حركات مسلحة مثل الحركة الإسلامية الأوزبكية أو حركات ذات مشروعات إقليمية وعالمية مثل حزب التحرير الإسلامي. وعلى نفس هذا المستوى من الانقسام الثقافي هناك بالمثل تمايز اقتصادي نسبي لصالح الشمال.
• الانقسام العرقي بين القرغيز والروس في الشمال والأويغور في الشرق في مقابل الأوزبك أصحاب الأغلبية في الجنوب والغرب.
• الانقسام القبلي بين عشائر وعائلات تمثلها الصفوة السياسية وكبار رجال الأعمال. فثورة عام 2005 التي أطاحت بعسكر أكاييف ( ذي الأصول العشائرية الشمالية) كان يقودها زعماء ممثلون عن مصالح العشائر الجنوبية. بينما ثورة 2010 التي أطاحت بالرئيس كرمان بك باكاييف ( ذي الأصول الجنوبية) شارك فيها زعماء يمثلون مصالح الشمال. في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن رئيسة الحكومة الانتقالية روزا أوتونباييفا ليس لديها رصيد عشائري قوي وهو ما قد يمثل نقطتي ضعف وقوة في آن معا، فعدم تحزبها العشائري والقبلي قد يعطيها قوة حيادية ومصدر ثقة، لكن قد يحرمها ذلك من سند شعبي وقت الأزمات.
هذا الانقسام الشمالي الجنوبي يترك تداعيات كارثية، فمن منفاه في موسكو وجه الرئيس القرغيزي المخلوع عسكر أكاييف التهم إلى الرئيس القرغيزي (المخلوع أيضا) كرمان بك باكاييف في منفاه في بيلاروسيا واضعا تهمة المجازر الجماعية التي راح ضحيتها 2500 قتيل في عنقه. فبحسب أكاييف فإن أبناء وعشيرة كرمان بك باكاييف استولوا على خزينة الدولة وفروا بها موزعين جزءا منها على العصابات في جنوب البلاد (مركزهم الجغرافي) لإشعال فتنة في البلاد وذلك بعد فشلهم في تثبيت حكمهم أمام الثوار.
والمجازر الجماعية، بحسب هذا التفسير، تم تدبيرها من قبل عصابات مأجورة كخطوة انتقامية من أجل توصيل رسالة إقليمية وعالمية أن الإطاحة بنظام باكاييف أوقعت البلاد في فوضى، وأنه هو الوحيد القادر على ضبط الأمن فيها.
اللقاءات التي أجرتها بعض وسائل الإعلام الأوربية مع القرغيز الذين شاركوا في إشعال النيران في مساكن الأوزبك وقتل عدد منهم أفادت بأن بعضهم جاء من أقصى الشمال بعد سماعهم لروايات بأن الأوزبك اغتصبوا نساء للقرغيز في الجنوب.
إذا جمعنا النعرة القبلية وضعف مستوى الوعي، والحقد المتراكم ضد الأوزبك الأكثر ثراء والأكثر افتخارا بأنهم "المسلمون الحق"، واستئجار قتلة مجرمين من الشباب الذين يعانون البطالة، والفاسدين من رجال الشرطة الذين تم شراء ذممهم ليشاركوا في المجازر، ووضعنا كل ذلك في معادلة الدولة المنهارة الفاشلة فسنحصل عل نوع من التفسير لما جرى من مذابح يونيو 2010، والتي أودت بحياة الآلاف في هذه الجمهورية المسلمة في أواسط آسيا.
الرقص مع الشيطان
حين شنت الولايات المتحدة الأمريكية حملتها على ما يسمى بالإرهاب الدولي في نهاية عام 2001 أعلن رئيسها آنذاك أنه "من ليس معنا فهو ضدنا"، في تلك الأثناء تطوع الرئيس القرغيزي عسكر أكاييف وضم نفسه في معسكر "معنا"، وفتح مطار العاصمة بشكيك لاستضافة قاعدة عسكرية تزود القوات الأمريكية بالوقود والمؤن.
لم تكن قرغيزستان تحصل على مقابل لفتح تلك القاعدة، إذ كان رئيسها يبحث فقط عن "مكان على الخريطة الدولية" ويتملق القوة الغازية الوافدة، لكنه في نفس الوقت كان يحسن "الرقص السياسي" ففتح بلدة "كانت" لإقامة قاعدة عسكرية للروس، وكما اعتبرت الولايات المتحدة قاعدة "ماناس" في بشكيك قاعدة لقوات التحالف، فإن موسكو أعلنت أن قاعدة "كانت" ليست روسية وإنما تضم قوات متعددة من منظمة الأمن الجماعي لدول آسيا الوسطى.
لكن حين أطيح بعسكر أكاييف في 2005 بدأ رئيس قرغيزستان الجديد كرمان بك باكاييف سياسة ابتزازية، فطالب الولايات المتحدة بدفع مقابل استئجار القاعدة وحصل من الروس على إعانات مالية واعدا إياهم بإغلاق القاعدة الأمريكية. واستمر باكاييف على هذا النحو مما أثار استياء كل من الروس والأمريكيين معا، في منهج شبهته بعض الدراسات بسلوك التاجر في البازار الأسيوي.
وربما يرجع بعض المراقبين سكوت كل من واشنطن وموسكو عن الإطاحة بباكاييف في مايو 2010 بأنه رسالة صامتة مفادها أن "الرجل استحق جزاءه"، خاصة أن كلا الطرفين قد وجه نقدا لنظام باكاييف بسبب متاجرته في الوقود الذي تبيعه روسيا لقرغيزستان لتزويد قاعدة ماناس واتهام باكاييف وابنه مكسيم (الذي كان يشغل عدة مناصب بالغة الحساسية في الدولة) بإعادة بيع الوقود الروسي بأسعار مضاعفة للقاعدة الأمريكية.
بل إن واشنطن حين ترددت تحليلات ترى في الانقلاب على باكاييف مؤامرة روسية سرعان ما بادرت وأعلنت أن الانقلاب ليس معاديا لواشنطن معربة عن أن "قادة العمل السياسي الجدد في بشكيك معروفون جيدا للبيت الأبيض ولنا معهم علاقات وطيدة وحسنة"
ترجعنا هذه المشاهد التفصيلية مرة أخرى إلى القدر المحتوم الذي تعيشه "الدول العازلة" أو دول "تكسر القوى".
فالموقع الاستراتيجي لقرغيزستان في العقد الأخير كان يتطلب أحد خيارين، إما التحالف الصريح مع قوة أمريكية أو روسية والتحول من دولة "عازلة" إلى دولة "تابعة" تحظى بالحماية، أو ترسيخ الحكم البرلماني ودولة القانون التي بوسعها اتخاذ قرار "شعبي" لا "فوقي" بشأن القرارات المصيرية، وفي هذه الحالة لن تراهن القوى الدولية الطامعة على أشخاص بل ستتعامل مع إرادة الشعوب.
لا يختلف حال قرغيزستان هنا عن حال كثير من دول العالم الثالث في العالم العربي أو أمريكا الوسطى أو أفريقيا أو وسط آسيا. فدولة القانون لا دولة القبيلة تحتاج إلى مهمة بالغة الصعوبة وزعماء قادرين على تحمل مكائد وتهديدات موسكو وواشنطن بالاغتيال، أو على أقل تقدير اغتيال ناعم في صورة تمويل أو دعم انقلاب شعبي يطيح بالزعماء المتمردين أو الباحثين عن دور مستقل لأوطانهم. هذه المهمة الاستقلالية تحتاج إلى "زعماء" لا "رؤساء" لديهم مشروع" طوباوي".
ولأن من يصل عادة إلى سدة الحكم في العالم الثالث رؤساء "براغماتيين" يتقنون حلول الوسط فغالبا ما يكون مصير هذه الأمم الانقلاب والتوتر والتمرد الشعبي وفقدان القادة لمناصبهم اغتيالا أو طردا، أو في أحسن الأحوال موات وطني وانهيار المشروع القومي في ظل خيار التبعية، وهو ما يمكن أن نسميه "نعمة التبعية المنبطحة" التي تبدو بالميزان البراغماتي أفضل من "نقمة استقلال المشروع الوطني".
المباراة الدامية في قرغيزستان ليست قاصرة على تنافس موسكو وواشطن، فبكين تضع أعينها على ربع مليون أويغوري يعيشون في قرغيزستان ويشتركون في الدم والدين مع أبناء مسلمي شينغيانغ. هؤلاء الأويغوريون في قرغيزيا محط اهتمام لمراقبة مدى انخراطهم في تمويل حركة التمرد في شينغيانغ، تمويل لا يقصد به بالضرورة دعم مالي بقدر ما هو تمويل "ثوري" من قبل الحركات الإسلامية النشطة في قرغيزستان ووادي رغانة.
ترى روسيا في الصين وليس الولايات المتحدة أكبر منافس لها في الإقليم. فالولايات المتحدة منافس مؤقت لن يعمر في الإقليم أكثر من عقدين، بل هو يحزم أمتعته للرحيل من المنطقة بعد الفشل الذريع في أفغانستان.
ثم إن روسيا تستفيق تدريجيا من الترنح الذي عاشته في العقدين الماضيين، وتحقق خطوات بالغة النجاح. فبعد الدعم الأمريكي لحكومة موالية للغرب في أوكرانيا (2004 -2010) هددت بطرد الأسطول الروسي من ميناء سيفاستوبول في شبه جزير القرم، ها هي روسيا تعود داعمة لحكومة موالية لها في أوكرانيا وتستغلها أفضل استغلال وتوقع معها عل بقاء أسطولها لعام 2042. وبالمثل لقنت روسيا جورجيا المدعومة من الولايات المتحدة درسا قاسيا منذ حرب صيف 2008 وأحكمت سيطرتها على إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية التابعين للأراضي الجورجية.
المحصلة أن الولايات المتحدة راحلة لا مفر من "الحديقة الخلفية" لروسيا، وستقتنع الولايات المتحدة بأن التنافس في هذا الإقليم بالغ التعقيد ومرهق للغاية، خاصة أن الخرائط وأوراق الملفات في حوزة موسكو بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية في حوزة نظم سياسية في الإقليم تحكمها روابط المصلحة وروابط الدم والعشيرة.
الصين إذن هي المنافس الأطول عمرا، والأكثر تقدما في مقابل الانسحاب الأمريكي. نتذكر هنا أن علاقات موسكو وبكين كانت خلال العصرين القيصري والسوفيتي علاقات ترقب عسكري على الحدود، ولم تكن بكين تجرؤ على اختراق آسيا الوسطى التي كانت جزءا من حمى الدب السوفيتي. لكن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام شراكة روسية صينية عند مستويات مختلفة لإقرار الأمن في الإقليم صارت الصين قادرة على اختراق هذه المنطقة والتأثير فيها اقتصاديا في المقام الأول.
فروسيا تستقطب من قرغيزستان وآسيا الوسطى الأيدي العاملة الرخيصة لتعويض ضعفها الديموغرافي وتناقص سكانها وفي المقابل تبيع لدول المنطقة الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنية، ومن جانبها فإن الصين تحصل من هذا الإقليم على المواد الخام وتسوق فيه منتجاتها الرخيصة وتجني مزيدا من الأرباح.
الموقف الروسي والصيني من أزمة قرغيزستان الأخيرة كان بالغ السلبية، فرغم الشعارات التي رفعتها التحالفات الإقليمية التي جمعت روسيا والصين وقرغيزستان ودول آسيا الوسطى، وفي مقدمتها تحالف شنغهاي، لم تتدخل موسكو أو بكين في الأحداث واعتبروا ما يجري من مذابح "شأنا داخليا".على هذا النحو يبدو لمراقبي الموقف الصيني الروسي أن الطرفين اكتفيا بالجلوس في مقعد المشاهدين انطلاقا من مبدأ يرى أن التطهير العرقي سينتهي بخسارة للجميع ولن يصعد من بين الأطلال قوة تهدد مصالح موسكو أو بكين.
إذا رجعنا للوراء عشر سنين سنجد تدخلا صينيا روسيا في قرغيزستان في ملابسات مختلفة، فقبل أحداث سبتمبر 2001 قامت مجموعات مسلحة ذات شعارات إسلامية ( يشتبه في انتمائهم للحركة الإسلامية الأوزبكية) باختطاف جيولوجيين يابانيين في قرغيزستان في أغسطس 1999 واحتلوا عددا من مدن الجنوب القرغيزي في وادي فرغانة.
هنا تعاونت كل من روسيا وكازاخستان والصين وأوزبكستان وقرغيزستان للقضاء على هذه العملية، ونجحت في ذلك، وأعلنت هذه الدول أن لهذه الجماعات الإسلامية علاقات وثيقة بالمقاتلين في الشيشان وأفغانستان. وتكرر هذا النوع من التعاون في السنوات اللاحقة لملاحقة الحركات الإسلامية المسلحة.
في خضم المجازر التي تمت بحق الأوزبك في جنوب قرغيزستان في يونيو 2010 روجت بعض وسائل الإعلام الروسي والغربي مخاوف من أن الفراغ والفوضى في قرغيزستان قد يخلقان بيئة مثالية لظهور طالبان أخرى في وادي فرغانة، هنا كان الترقب على أشده، لكن حين استمرت مذابح أهلية لا علاقة لها بمشروعات إسلامية اكتفت روسيا والصين ودول الجوار بمتابعة ما يجرى رغم مناشدة رئيسة الحكومة القرغيزية المؤقتة، روزا أوتونباييفا، الرئيس الروسي دميتري مدفيديف ورئيس وزراءه فلاديمير بوتين بالتدخل.
الأكثر من هذا أن أوزبكستان الدولة التي تحمل اسم القومية التي تعرضت للمجازر سرعان ما أغلقت حدودها في وجه اللاجئين الأوزبك بعد أيام قليلة من الأزمة، كان المبرر المعلن أنه لا طاقة لهم بمئات الآلاف من اللاجئين. وفيما وراء المبررات المعلنة يبدو جليا أنه ليس من مصلحة الأمن القومي لأوزبكستان تصدير مشكلة أوزبك قرغيزستان إلى أراضيها.
هموم المستقبل
في وقت تسيطر فيه مراكز التفكير الغربي ووسائل الإعلام ذات المركزية الأوربية على هندسة ترويج المعلومات والآراء، تم حبس مفهوم "الديمقراطية" في "صناديق الاقتراع"، وتم الاحتفاء في عالم ما بعد الشيوعية بكل من قرغيزستان وأوكرانيا وجورجيا كنماذج لانتشار موجة جديدة من الديمقراطية في العالم. غير أن ما تحقق في واقع الأمر لم يكن أكثر من قدر من الانتخاب والتمثيل الديمقراطي على حساب ديمقراطية ليبرالية حقيقية عمادها الحريات المدنية ودور القانون، فضلا عن بقاء البون شاسعا بين المحرومين والمتخمين في ترتيب الطبقات الاجتماعية.
تقف قرغيزستان في حقيقة الأمر في موقف بالغ الحرج، إذ هي في حاجة أولا وقبل أي مشروعات ديمقراطية إلى إعادة بناء البيت، والتخلص من حطام العاصفة التي اجتاحت البلاد في الفترة من مارس إلى يوليو 2010 كي تهرب أولا من قائمة "الدول الفاشلة".
تعرف الدولة الفاشلة بأنها تلك الدولة غير القادرة على توفير الأمن لمواطنيها، وعجزها عن ضمان نظام قانوني عادل، أو توفير الحقوق الأساسية والحريات، والرعاية الطبية، والتعليم والبنية الأساسية، وتوفير إطار يضمن ممارسة المشروعات الاقتصادية بشكل حر، ووجود مجتمع مدني.
ونتيجة لشعور المواطنين بفشل الدولة فإنهم يتخذون إجراءات معاكسة متوقعة، فيتمردون على دولتهم ويضعف احترامهم لسلطتها ويستخفون بقوانينها ويحترفون ممارسات فاسدة.
وطبقا لهذه المؤشرات تصنف قرغيزستان من بين 28 دولة فاشلة في العالم. وأكبر مشاكلها هي على الترتيب: عدم شرعية الدولة (والذي يشمل ارتفاع مؤشر الفساد، ونقص المحاسبة، والجرائم السياسية)، ثم عدم تساو التنمية، وأخيرا العبء الديموغرافي حيث يتزايد السكان بمعدلات أكبر من مسيرة التنمية الاقتصادية.
وبناء على ذلك تم تصنيف قرغيزستان على مؤشر الشفافية الدولية كواحدة من أكثر الدولة فسادا في العالم، حيث احتلت المرتبة 142 من بين 163 دولة. ومع انخفاض الأجور وارتفاع البطالة اضطر نحو نصف مليون قرغيزي إلى الهجرة، واتجه معظمهم إلى روسيا وكازاخستان.
وشملت عمليات الهجرة ليس فقط "نزيف العقول" من الفئات المهنية عالية التدريب ( الأطباء والمهندسين وغيرهم) بل شملت العمالة غير المدربة وأغلبها من مدنالجنوب ممن يفدون إلى روسيا وكازاخستان لسد العجز في مهن التشييد والبناء، فضلا عن الانخراط في الأعمال التجارية في أسواق الجملة والتجزئة.
قرغيزستان أيضا في حاجة إلى تدعيم هويتها القومية، وبصفة خاصة لغتها القومية التي تتراجع أهميتها عاما بعد عام، حتى عدها بعض الباحثين لغة الأقلية لا الأكثرية. فقد أضحت الروسية لغة التعليم والثقافة والتأهيل لدخول أسواق العمل الروسية أو الوصول إلى المناصب الرفيعة في الدولة.
وعلى هذا النحو تعاني قرغيزستان من صدام هويات، الأولى قومية قرغيزية تتراجع لغتها وثقافتها، والثانية روسية تصنع الأخبار والإعلام وتعتمد لغة في الجامعات والمدارس وتفتح أسواق العمل في الفضاء ما بعد السوفيتي، وثالثة أوزبكية تحتفي بلغتها القومية وتحافظ عليها وتكرس تمايزها الجغرافي في جنوب البلاد.
كما أن قرغيزستان يعوزها أيضا أن تحسم أمرها حيال سؤال الإسلام والنهضة. ويعود جزء من التردد إلى المسار العلماني للدولة من ناحية، وتشتت العمل الإسلامي الحركي من ناحية أخرى. وينظر صناع القرار في الدول المحيطة بقرغيزستان إلى الإسلام باعتباره "قوة محيرة حقا".
فالصقور في روسيا والصين والولايات المتحدة يصورن المنطقة وكأنها مهد الخلافة الإسلامية المقبلة ومنبع حركات الإسلام المسلح التي بوسعها أن تلد عشرات الحركات الطالبانية. بينما آخرون يرون في ذلك مبالغات كبيرة خاصة أن الثقافة القرغيزية تعتمد على نسخ مختلفة من الإسلام قليل منها سلفي وكثير منها صوفي والبعض الآخر متأثر برواسب المعتقدات القديمة وفي مقدمتها الشامانية، فضلا عن تأثير الحكم الشيوعي على عدد كبير من السكان المسلمين الذي تأثروا سلبا من التضييق على الإسلام عبر سبعة عقود.
يعوز قرغيزستان أيضا وقف انتهاك حدودها أمام عمليات تهريب المخدرات من أفغانستان إلى روسيا وأوربا، فمن شمال أفغانستان تنتقل المخدرات إلى طاجيكستان ومنها مباشرة إلى جنوب قرغيزستان (وبصفة خاصة إلى مدينتي أوش وجلال أباد) عبر الطرق الجبلية إلى كل من الصين وكازاخستان وروسيا، ومن الأخيرة تجد طريقها إلى السوق الروسي وأسواق أوربا الشرقية والغربية.
في هذا الصدد تتهم منطقة وادي فرغانة بأنها بيئة خصبة لانتعاش تجارة الأسلحة والمخدرات بسبب انتشار البطالة وتدني مستوى المعيشة وانخفاض الأجور في ظل معدلات مواليد مرتفعة أدت إلى حالة من الاختلال بين السكان والموارد.
وفي النهاية يمكن القول أنه وإن كانت الصلاحيات الجديدة التي أقرها الاستفتاء الذي شهدته قرغيزستان في 27 يونيو 2010 ستعطي للبرلمان ورئيس الوزراء صلاحيات قد تقدم علاجا لآفة الاستبداد السياسي واستئثار الرئيس بمقدرات البلاد، إلا أن أمام قرغيزستان مخاضا عسيرا قبل أن تصل إلى مرحلة الاستقرار وتخطو إلى ميدان النهوض.
وتبدو الصورة جد متناقضة في مشهد الختام بين ضحايا الأزمة في قرغيزستان من أسر القتلى والجرحى والمطرودين الذين يحلمون بحياة آمنة بغض النظر عن طبيعة الحكم وشكله في بشكيك، وبين المنظرين والمؤرخين الذين يحتفون بما يجري في قرغيزستان من ثورات وانقلابات ويعتبرونها ظاهرة صحية ونبضا للحياة، فالثورة بكلمات ماركس "قاطرة التاريخ، بدونها تتجمد أحلام الشعوب وتتعطل حركة الأمم" ولا ضير أن تتبعها فوضى مؤقتة، ذلك لأن " لكل ثورة تجاوزاتها"، على نحو ما يذهب لينين.

المصدر: http://www.turess.com

تعليقات

أضف تعليقا